```php الفضاء الجبلي بين التحولات والاستمراريات
Logo du CRASC
CRASC Titre logo
الفضاء الجبلي بين التحولات والاستمراريات

الفضاء الجبلي بين التحولات والاستمراريات

السنة : 2005 isbn : 9961-813-19-7

contributors

Coordinateur : نادية مساسي

abstract

هذا المؤلف هو نتاج فريق بحثي اشتغل على المجال الجبلي، وقام في هذا الإطار بإعداد برنامج بحث وطني (PNR) حول موضوع «المجال الجبلي: التحولات والاستمراريات». ومن أجل مقاربة مجال جغرافي واسع يمتد على طول الساحل الجزائري على مسافة 1200 كلم، اختار أعضاء الفريق أربع مناطق ثقافية تُعدّ ممثلة للجبال الجزائرية ودالة على حاضرها ومستقبلها، وهي: الأوراس، والتل الشرقي، وكبليتي جرجرة وآث واغليس (الصدّام/الصومام). هذه المناطق الأربع، رغم اختلافها الظاهر—فمنها المجال شبه الجاف (الأوراس)، والجانب قليل الكثافة السكانية (التل الشرقي)، والمنطقة الكثيفة السكان (القبائل)—إلا أنها كلها تنتمي إلى الجبال المنخفضة والمتوسطة. وتبدو أنماط استغلالها للمجال متباينة بشكل واضح منذ الوهلة الأولى، لكنها جميعاً استطاعت أن توفق بين الإمكانات المحلية والقيود المتعددة للوسط الطبيعي، الذي وظفه الإنسان بطرق مختلفة ليحوّله إلى مجال للعيش. وتعيش هذه المناطق الأربع في دوامة الهجرة، مع تراجع نسبي في وتيرة المغادرة، خصوصاً خلال العقد الأخير في منطقة القبائل. ويبدو أن المجال الجبلي يطرح درجات متفاوتة من الصعوبة، تمكن السكان من التعامل معها بطرق مختلفة لضمان البقاء؛ وهو اليوم ما يزال مجالاً للحياة بالنسبة لـ20% من السكان الوطنيين (خليل، 2000). ومن ثمّ فإن الصعوبات نفسها قد أنتجت آليات متباينة لإنتاج المجال وامتلاكه. وهنا تكمن الأهمية الأولى لهذا العمل. أما الأهمية الثانية فتتمثل في ضرورة إنتاج المعرفة حول المجال الجبلي، الذي ظلّ يُعدّ «الابن غير المحظوظ» في البحث الأكاديمي، الذي ركّز أكثر على الإشكاليات الحضرية. والأكثر إثارة للقلق أن الجبل ظل مهمّشاً، وهو تهميش لا يخص الجزائر وحدها ولا هو ظاهرة معاصرة في تاريخ الإنسانية. فقد تأخر اهتمام الباحثين به، ولم يُنظر إليه كحقل علمي إلا في فترة متأخرة نسبياً، إذ تم استكشافه منذ عصر النهضة. وقد ارتبط المجال الجبلي طويلاً بصورة الفراغ الثقافي والفقر والانغلاق والعيش في نظام شبه مكتفٍ ذاتياً، مما رسّخ حوله مجموعة من الصور النمطية التي أبعدته عن التيارات الحضارية الكبرى. وقد استند هذا «التصغير/التبسيط» للمجال الجبلي (ألبيرا-كورتـي، 2000) إلى فكرة تركز السكان خارج الجبال كاستجابة لعدم التوازن بين السكان والموارد المحلية. كما اعتُبرت الهجرات التي تميز المجال الجبلي المتوسطي دليلاً موضوعياً على فقره، وتم بناء تصورات نظرية تعتبره مجالاً «يطرد قواه الحية» نحو السهول والمدن، حيث تسهم في خلق ديناميكيات جديدة. وهكذا تم تشبيه الجبل بـ«مصنع للرجال من أجل الآخرين» حسب تعبير براوديل (1994). لكن الوقائع تقول عكس ذلك. فالمجال الجبلي المتوسطي يعرف نوعاً من الازدهار بفضل تنوع موارده: الأشجار المثمرة، والزراعة الحبوبية، وتربية المواشي، والزراعة المعيشية، والحرف التقليدية، إضافة إلى وجود نسبي لمؤسسات نشر المعرفة (جبالة، القبائل، الألب، البرينيه). ففي القرن السابع عشر كان علماء المدن يتوجهون إلى منطقة القبائل لتحصيل العلم (عدي، 1994). وحتى اليوم، ورغم النزيف الكبير في القوى البشرية، ما يزال الجبل مجالاً للعيش، بل ويحتوي على تجمعات سكانية بكثافات قد تضاهي المدن. ففي قبائل آث واغليس تتجاوز الكثافة 800 نسمة/كلم² (مسّاقي، 2003)، وفي التل الشرقي تفوق كثافة سهل عنابة (بوكرزازة، بوغابة، 2001). إن حركة السكان في الجبال، وفق الدراسات الحديثة (ألبيرا-كورتـي، 2000)، تعكس «قدرة على الاندماج في أسواق العمل الوطنية والدولية». كما أن تنوع الأنشطة التي يمارسها هؤلاء المهاجرون ينفي الفرضية القديمة التي كانت تعتبرهم قوة عمل غير مؤهلة. إذ يشتغل أبناء الجبل في وظائف متعددة: تجار، موظفون، مسيّرون للحمامات، مدرسون… (عدل، مسّاقي، 2002). وهذا التنوع يدعم فكرة «تصدير الكفاءات» (ألبيرا-كورتـي، ص 364)، وهي كفاءات يفترض أنها ناتجة عن انتشار نسبي للهياكل التعليمية. ففي آث واغليس، ساهمت شبكة التعليم ما قبل الاستعمار، التي عززها الاستعمار الفرنسي، في تكوين هذه الكفاءات القابلة للتصدير. وبذلك يمكن اعتبار الجبل مجالاً معرفياً (إدراكياً)، وليس من قبيل الصدفة أن الاستعمار الفرنسي ركّز سياسته التعليمية بشكل خاص على منطقة القبائل. كما أن إقامة المدارس الجمهورية في نفس مواقع المدارس القرآنية كان جزءاً من استراتيجية لإضعاف التعليم التقليدي. إن إدخال عناصر خارجية في مجالات كانت تُعتبر مغلقة وذاتية الاكتفاء يطرح إشكاليات علمية مهمة ويشير إلى ظاهرة «الامتزاج/التداخل» التي تستحق الدراسة. كما ارتبط الجبل أيضاً بصورة نمطية أخرى، وهي كونه مجالاً للترحال والتجارة المتنقلة (الكولبوراج). ورغم أن هذا النشاط كان واسع الانتشار في الجبال (الألب، البرينيه، القبائل)، فإنه يدل على قدرة على الاختراق والتوسع التجاري، خاصة مع تطور وسائل الاتصال الحديثة خلال القرنين الثامن عشر والعشرين، مما جعله يتخذ طابعاً عابراً للحدود. وقد أبرزت أعمال ل. فونتان (1993) الأهمية الأساسية لهذا النشاط الذي كان يُنظر إليه كعمل هامشي، بينما هو في الواقع عنصر أساسي في المجتمعات القديمة التي تجمع بين الانفتاح والحفاظ على بنيتها الاجتماعية. إن الكولبوراج، بوصفه شكلاً من أشكال الهجرة التجارية، يعكس ديناميكية وحركية المجال الجبلي، ويقوض صورة الجمود والانغلاق. وقد يكون هذا التصور السلبي للمجال الجبلي أحد أسباب تهميشه في سياسات التهيئة الإقليمية. فمع هيمنة السياسات التنموية الموجهة نحو الصناعة والزراعة، جاءت النصوص الأولى للتخطيط ذات طابع أحادي. ولم يبدأ الاعتراف بالخصوصيات الجغرافية إلا مع قانون 27/01/1987 ثم قانون 12/12/2001، حيث تم لأول مرة إدراج الجبل ضمن سياسة شاملة. غير أن غياب الأدوات الملائمة جعل هذه السياسة محدودة الفعالية، إذ تم تطبيق أدوات صممت للمدينة على المجال الجبلي، مما جعلها غير ملائمة. فعلى سبيل المثال، يُعدّ مؤشر معدل إشغال السكن (TOL)، المستخدم في دراسات التعمير (PDAU)، غير ملائم لحالة «أَخّام» (البيت القبائلي)، لأنه فضاء متعدد الوظائف. كيف يمكن إذن حساب هذا المؤشر؟ وإلى أي مدى تعكس القراءات الناتجة عنه الواقع الاجتماعي لاستعمال البيت القبائلي؟ كما أن تقنية التقسيم المجالي (الزوناج)، المعتمدة في أدوات التهيئة العمرانية (PDAU وPOS)، غير فعالة في المجال الجبلي، حيث يرتبط المجتمع الجبلي بهويته المجالية ارتباطاً وثيقاً. فتصور الفضاء يتم أولاً عبر انتماء هرمي تكون فيه القرية والجماعة العائلية أهم المرجعيات. وبالتالي فإن إنشاء مناطق سكنية تجمع عائلات من قرى مختلفة يتعارض مع منطق الانتماء المجالي المحلي. كما أن نظام الملكية العقارية (ملْك) يشكل عقبة حقيقية أمام تطبيق سياسات التهيئة، رغم وجود نصوص قانونية تسمح بنزع الملكية من أجل المنفعة العامة. إن الجبل، رغم كونه «متحفاً للحفاظ» (برونيه، 1993)، فإنه فضاء في حركة دائمة، يعيد إنتاج القيم القديمة ضمن شروط جديدة تضمن استمراريتها. إن دراسة التحولات والاستمراريات في المجال الجبلي سمحت بإنتاج معرفة أكثر حداثة قائمة على العمل الميداني. وباعتباره موضوعاً للدراسة، يتطلب الجبل مقاربة متعددة التخصصات تمنح البحث العلمي عمقاً أكبر. ولذلك فإن فريق الـPNR يتميز بهذا التنوع: جغرافيون، سوسيولوجيون، أنثروبولوجي ومعماري. ومن ثم فإن النظرة إلى هذا المجال نظرة متعددة. ويعكس هيكل هذا المؤلف ذلك، حيث إن العرض الأحادي لكل منطقة يندرج ضمن مقاربة مونوغرافية لا تستبعد المقارنة والتركيب. والمنتوج النهائي يبدو كأنه «رقعة (بَاتش وورك)» تم تجميع عناصرها في الخلاصة العامة التي تشكل الهيكل الأساسي للاستنتاج العام.
```